حسن الأمين
27
مستدركات أعيان الشيعة
لانتشال جثة الغريق بعد موته . وألقي « محمد قلي خان الأسود » في النهر . وبعد ساعة انتشلت جثته وسلمت إلى ذويه فدفنوها في « لاريجان » عند قبر أبيه وجده حسب وصيته . واستولى « آقا محمد خان » على أملاك « محمد قلي خان الأبيض » و « محمد قلي خان الأسود » . وانتقلت منه إلى خليفته من بعده « فتح علي شاه » . ثم تقاسمها من بعده أبناؤه وبناته . عناية آقا محمد خان بالزراعة ليس بين ملوك القاجاريين من كان معنيا بالزراعة عناية « آقا محمد خان » بها . وكما سبق زمانه بقرن ونصف القرن في معرفة أمور من أصول المحافظة على الصحة لم يعرفها الأوروبيون أنفسهم إلا في هذا القرن ، كذلك سبق زمانه في معرفة أمور من علم الزراعة ، لم تعرف في أوروبا نفسها إلا بعد مدة من زمانه . وهو أول من وضع علم تصنيف التربة بحسب خصائصها في الشرق ، أو ، على الأقل ، في إيران . وكان يرشد الفلاحين إلى كيفية معرفة خصائص كل نوع من أنواع التربة ، وزرعه بالمزروعات التي يلائمها . وإذ كان فلاحوه يزرعون أرض أملاكه حسب توجيهاته فقد كان محصولها أحسن المحاصيل في إيران . وضع الزنديين في سنة 1196 ه 1781 م كان في إيران ملكان يعدان من الكبار نسبيا . أحدهما « آقا محمد خان قاجار » في الشمال والآخر « أبو الفتح خان زند » ابن « كريم خان زند » في الجنوب . وكان فيها أيضا بضعة ملوك آخرين أصغر منهما . وإنما نطلق عليهم صفة « ملك » لأنهم كانوا هم أنفسهم يجعلون من أنفسهم ملوكا . منهم « علي مراد خان زند » في أصفهان . ومنهم من كانوا في خراسان من الأمراء الأفشاريين النادريين الذين يدعون أن الملك حق لهم . ومنهم رؤساء كانوا في أذربيجان و « لرستان » و « قهستان » ( جنوب خراسان ) و « خوزستان » يجعلون من أنفسهم أيضا ملوكا ويتسمى كل منهم باسم « ملك » . كان « أبو الفتح خان زند » لا يؤذي أحدا . ولعل السبب في ذلك إقامته على اللهو والقصف والشراب والمنادمة . إلا أن عمه « زكي خان زند » أخا « كريم خان زند » كان ظلاما . كان حاكما على شيراز ، هذا هو منصبه الرسمي . ولكنه كان يجيز لنفسه التدخل في كل شؤون الدولة . وكل ضريبة ، أيا كان مصدرها ، يجب أن تحول إليه ، وقد حمل الناس ضرائب ثقيلة . وكان « كريم خان زند » قد منع المتاجرة بالخمر وصنعها . فكانت تباع في زمانه في السر . وقد أباح « زكي خان زند » المتاجرة بها ، ولكنه وضع عليها ضريبة ثقيلة . وقد ساء ذلك الشيرازيين ، إذ كانت شيراز تعد مدينة علمية دينية . وأرسل « زكي خان زند » إلى « علي مراد خان زند » الذي نصب نفسه ملكا في أصفهان رسالة يأمره فيها بإرسال ضرائب أصفهان إليه في شيراز . فأجابه « علي مراد خان زند » برسالة قال له فيها « الأسد لا يعطي الجزية لابن آوى » . فعزم « زكي خان زند » على محاربته وسار بعسكره إليه . وصحب معه « أبو الفتح خان زند » ، مع ندمائه وعشرائه وما يحتاجه من خمور ، ليبعده عن شيراز ، إذ كان يعلم أن الشيرازيين ناقمون عليه سيرته فهو يخشى أن يغتنموا فرصة غيابه فيحملوا « أبو الفتح خان زند » على عزله وإبعاده ، بل قد يتمكنون من قتله . وفي أثناء السير ظل « أبو الفتح خان زند » مقيما على لهوه وقصفه وسكره ، يسير متثاقلا ، وفي الصباح ينهض من نومه مكرها مضعضعا من أثر السكر ، و « زكي خان زند » يلازمه دائما لئلا يتركه ويعود إلى شيراز إذ كان يفضل عيشة اللهو على ممارسة الحرب . فلما وصلوا إلى بلدة « إيزد خواست » توقف « زكي خان زند » عندها ليجمع فرقة عسكر من المرتزقة . ودعا إليه وجوه البلدة ، فجاءه ثمانية عشر رجلا من الوجهاء اختارهم الأهالي منذوبين عنهم . فطلب منهم « زكي خان زند » تهيئة مبلغ كبير من المال ليستاجر به من يحتاجه من الجند . ولكنهم كانوا عاجزين عن تهيئة شيء من المال . وكان فيهم عالم دين . وكان شريفا شيخا كبيرا . فاعتذر هذا إليه بان الأهالي قد أدوا ما عليهم من ضرائب السنة الحالية . فطلب « زكي خان زند » أن يؤدي إليه ضرائب السنة القادمة تسليفا . فقال له ذلك العالم إن محصول السنة الزراعي لم يئن أوان جنيه بعد وليس في يد الناس فضلة من مال . فأجابه « زكي خان زند » بقوله إنك امرؤ طويل اللسان . وقد أمهلتكم إلى ما بعد الغد . فإن لم تؤدوا إلي المبلغ المطلوب قصرت لسانك ! وانقضت المهلة وحل الموعد المعين والأهالي عاجزون عن تهيئة المبلغ المطلوب . فاحضر « زكي خان زند » أولئك الرجال الثمانية عشر فضرب أعناقهم وألقى أجسادهم في الصحراء . وجاء بذلك العالم الشريف الشيخ وأمر ببقر بطنه وهو حي ، فبقرت وأمر بإخراج أمعائه من جوفه فأخرجت وعرضت أمام عينيه ، وظل يتلوى من الألم المبرح حتى قضى نحبه . ثم أمر « زكي خان زند » بسبي زوجته وبناته وإسلامهن إلى الجند فسبين . ولكن خان علي خان قائد حرسه الخاص - وكانوا كلهم من قبيلة « ما في » المازندرانية استنكر هذه الأعمال ، وقال لجنوده قد رأيتم ما فعل بهذا الشريف الشيخ وكيف قتل أولئك الرجال الثمانية عشر ، وكلهم أبرياء لا ذنب لهم . والآن ، إذ وضعت في أيديكم نساء ذلك الشيخ الشهيد ، عليكم بالمحافظة عليهن ومعاملتهن بالاحترام اللائق بسليلات البيت النبوي . فعاهده الجنود على أن يتجنبوا كل عمل يغضب الله تعالى . وفي المساء ، إذ كان « زكي خان زند » جالسا إلى سفرة العشاء ، علم بما قاله « خان علي خان » لجنوده ، فاستدعاه إليه ، وهو لا يزال جالسا إلى السفرة ، وقال له : لقد علمت بما قلته للجنود في شان نساء الشريف الايزد خواستي . ولكن أقسم بهذه النعمة - وأشار بيده إلى الخبز - إن لم تنفذوا أمري هذه الليلة قتلتك أنت وكل الضباط المافيين . وخرج « خان علي خان » من حضرته ، وأخبر رفاقه من الضباط بما قاله . وتواطئوا كلهم على قتل « زكي خان زند » . فلما آوى إلى فراشه وأغفى انسلوا إلى خيمته وقتلوه ضربا بالسيوف . ثم خرجوا من المعسكر وساروا في طريق أصفهان ، وتوقفوا غير بعيد عن « إيزدخواست » ينتظرون ما يكون من « أبو الفتح خان زند » حين يستيقظ من نومه ويعلم بمقتل « زكي خان زند » . فان تبينوا أنه يعفو عنهم عادوا إليه وإلا تابعوا سيرهم والتحقوا بعلي مراد خان زند في أصفهان . وأصبح الصباح و « أبو الفتح خان زند » لم يفق بعد من سكره ونومه .